واصف جوهرية
مقدمة 32
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ختم البريد العثماني . المصدر : فلسطين في طوابع البريد 1865 - 1981 ( بيروت : دار الفتى العربي ، والقاهرة : الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال ، 1981 ) . العليا فيه بأنها معصومة في أنماط سلوكها عن الضوابط الاجتماعية لجمهور العامة . وفي كثير من الأحيان ، كان أبناء هذه النخبة يتباهون بهذا السلوك مثلما كان الحال مع الشرب في العلن ، والعلاقات بين الجنسين من دون خوف من عقاب . ومصدر آخر من الحماية لمجالات الحرية الاجتماعية هذه هو أن القدس كانت لا تزال مدينة مغلقة إلى حد ما ، ويظهر فيها تدفق محدود من القرى المحيطة ، أو من جبل الخليل ، من الفلاحين المهاجرين الذين أوجدوا لاحقا أجواء محافظة أصبحت المدينة معروفة من خلالها . تعددية الطقوس الدينية تدعو مذكرات جوهرية القارئ إلى المشاركة في عالم من التسامح الديني والتعدد الثقافي اللذين يصعب استشفافهما في الأجواء السائدة اليوم من الانعزالية الإثنية والأصولية الدينية . لقد كانت فترة ما قبل القومية التي غمرت فيها الهوية الدينية " الآخر " في أعيادها وطقوسها . ويروي جوهرية عن فترة عيد الفصح كمناسبة للاحتفالات الإسلامية - المسيحية - اليهودية . وهو يفصل في وصف مواكب " أحد الشعانين " ( التي كانت تتقدم من المسجد الإبراهيمي في الخليل إلى القدس ) . وعيد النبي موسى يستحضر هنا أنه احتفال شعبي إسلامي ، يندمج في عيد الفصح الأرثوذكسي الشرقي . وأناشيد " سبت النور " ( في ذكرى قيامة المسيح ) التي تعتبر أهم احتفال شعبي مسيحي في فلسطين - منسقة بصورة وثيقة مع الأعياد الشعبية الإسلامية . وكان الشبان المسلمون والمسيحيون يحتفلون بعيد " بوريم " [ المساخر ] في الأحياء اليهودية . ويصف واصف بدقة الأزياء التي ارتدوها في هذه المناسبة . ومرتان في السنة ، شاركت عائلات مسلمة ومسيحية ، بمن فيها عائلة جوهرية ، في الاحتفالات اليهودية على ضريح شمعون الصديق في الشيخ جراح ( والمناسبة معروفة باسم " شطحة اليهودية " ) ، حيث كان " حاييم ، عازف العود ، وزكي ، ضارب الدف ، يغنيان بمرافقة ألحان أندلسية " . لكن أهم الاحتفالات جميعا كانت تقام خلال شهر رمضان . ويخصص واصف فصلا كبيرا من مذكراته لوصف حياة الأعياد في الشارع ، والأطعمة ، وعروض الأراغوز الدرامية ، والمصابيح السحرية . وكثير من مسرحيات الظلّ كان يؤدّى بخليط من اللهجات التركية العثمانية والحلبية ، التي كان المؤلف يعيد إنتاجها بأمانة . ومع أنه لا يقول ذلك صراحة ، فإن بعض المسرحيات التي جرى تمثيلها تضمن سخرية اجتماعية جريئة ، ونقدا سياسيا مبطّنا للنظام . وكان عدد من صانعي البضائع ومؤسسات الحلوى ( مثل زلاطيمو ) يستخدم الحفلات لتقديم عروض تجارية ، يغنيها ممثلو الظلّ ، لترويج المبيعات . كذلك كانت المدينة تحتفل بمناسبات موسمية لا صلة لها بالأعياد الدينية . ويحدد واصف مناسبتين " علمانيتين " : شطحات الصيف إلى سعد وسعيد ، وزيارات الربيع لبئر أيوب . وأصبح موقع سعد وسعيد ، في الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى ، المكان المختار للعائلات المسيحية والمسلمة للترهة في أوقات بعد الظهر من الصيف الحار . وقد شجعهم على ذلك بصورة خاصة تنامي القصور الجديدة حول المصرارة ومنطقة الشيخ جراح . وفي هذه الطلعات ، كانت كميات كثيرة من الشراب والأكل تستهلك ، وكانت تستمر ، عادة ، إلى ساعات المساء المتأخرة ، عندما كان على المستمتعين أن يعودوا قبل إغلاق بوابات المدينة . وفي الربيع كانت هذه الطلعات تتوجه إلى بئر أيوب ، عند ينابيع سلوان التحتا ، حيث كانت عائلات القدس تجد مخرجا من شتاء البلدة القديمة القاسي . ومع تطبيق شروط وعد بلفور خلال الانتداب البريطاني ، وصلت هذه الفترة من التسامح الديني إلى نهايتها . فالحركة الوطنية الفلسطينية ، على الرغم من كونها في جوهرها حركة علمانية ، بدأت باكتساب حماسة دينية . والسلطة الكولونيالية الجديدة بدأت تفسر الأنظمة ، بشأن السيطرة الدينية وحق الوصول ، بمصطلحات